أحمد بن علي القلقشندي

192

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أنّ المملوك على منعه لم يقصّر في بلوغ أوطاره ، والسّعي في إيثاره ، إن شاء اللَّه تعالى . رقعة في المعنى : ما ردّ المملوك برّ مولانا مستنزرا لقليله ، ولا لائما لنفسه على تأميله ، لكنّه انتجعه انتجاع من ظنّه عارفا بقدره ، راغبا في شكره ، فلو أغضى المملوك منه على الاطَّراح لأمره ، لاستدلّ منه على قصر الهمّة ، وظنّ أنه قوّمه بدون القيمة ، ولا سيّما وهو يفرض لمن لا يجاري المملوك في مضمار ، ولا يساويه في مقدار ، من غير قصد بتأميل ورجاء ، وتقديم ذريعة من تقريظ وثناء ، ما تضيق عنه الهمم الفساح ، ولا يصل إليه الاقتراح . رقعة عتاب ، على تقصير في خطاب : حوشي مولاي أن يجرّ الذّيل على آثار فضله ، ويميت من غروس إحسانه ما هو جدير أن يتعهّده بوبله ، ويعفّي منّي رسوم كرمه ، ويصدع بمجانبة الإنصاف صفاة صفاته وصفائه ، وينطق الألسن بعتابه ، ويصلت سيف التأنيب من قرابه ، بما استحسنه من مستقبح المصارمة في المخاطبة ، واستوطاه من جامح التّرييث في المكاتبة ، ولا سيّما وهو يعلم أنّ موقع الإكرام من الكرام ، ألطف من موقع الإنعام ، وأن محلّ القال ، أفضل من محلّ النّوال ، وأنّ تغيّر العادة في البرّ ، مقوّض لمعاهد الشّكر ، ونسيح ( ؟ ) السنة في الإنصاف ، قاض بالانصراف بعد الانعطاف ، وقد كان المملوك أزمع أن يتحمّل تقصيره به ، وأن يفلّ من غربه ، غير مطاوع للحميّة ، ولا منقاد لنفس العصبية ، ولا يقرع سمعه بعتاب ، ولا يورد عليه ممضّ خطاب . ثم رأى المملوك أن يرشده إلى الأزين ، ويبعثه على اعتماد الأحسن ، ويحضّه على مراجعة الأفضل ، ومعاودة الأجمل ، ليتحفّظ مع سواه ، ولا يجري مجراه ، فليس كلّ أحد يتحمّله ، ويرضى رضى المملوك بما يفعله ، فمولانا حبّب اللَّه إليه الرّشد ( 1 ) ، ووفّقه إلى المنهج الأسد ،

--> ( 1 ) الرشد والرشد والرشاد : نقيض الغيّ . لسان العرب ( رشد ) .